زكي مبارك

98

عبقرية الشريف الرضي

تزويد العين والقلب بغير الحسرات ، وهل تسمح طبيعة المجتمع لأمير الحج أن يقضي ليلة فاجرة أو عفيفة مع امرأة حسناء وكيف وهو مقتول الوقت بشرح آداب السعي والرمي والطواف الواقع أن تلك المآزق هي التي أوقدت صدر الشريف ، فقد كان حاله شبيها بحال من يقضي أسبوعين يزور فيهما المعرض الدولي في باريس ، فيرى من غرائب الجمال ما يعشى الأبصار والقلوب ، ثم يعود وهو آثم الضمير طاهر الثياب . إن اللغة العربية لا تعرف من الذين سجلوا مواسم الحج بقوة وعنف غير شاعرين : الأول صديقنا عمر بن أبي ربيعة ، عطر الحب ذكراه والثاني أستاذنا الشريف الرضي ، نضر اللَّه مثواه أما عمر بن أبي ربيعة فقد كان مطمئن البال ، لأنه كان حجازيا يشاهد من مواسم الحج ما يشاء ، ولأنه كان خلع العذار فلم يعد يبالي أين يقع هواه ، ولأنه كان اشتهر بالحب حتى كان ظريفات النساء لا يرين تمام الحج إلا بمشاهدة وجهه الجميل . أما الشريف الرضي فانسان آخر ، هو رجل يجيء إلى الحج نائبا عن خليفة المسلمين ، هو رجل مسؤول لا يليق به اللهو ولا المزاح ، ومعه من أهل العراق رجال لا تخفى عليهم مآثم العيون ، ولعل فيهم من ينافسه أو يعاديه ، فهو ينظر إلى الجمال المنثور فوق بساط الحج بقلب فاتك وطرف عفيف ، وقد يتفق أحيانا أن تعفّ العيون وتفتك القلوب أيها السادة لا تحسبوني أتفلسف على حساب الشريف ، فقد قضيت سنين وأنا أحاول فهم هذه الدقائق الوجدانية ، وأكاد أجزم بأن الشريف لم يكن